يُنفق كثيرون مبالغ كبيرة على سيروم التفتيح وكريمات مكافحة التجاعيد، ثم يخرجون إلى شمس الظهيرة في الرياض أو جدة دون حماية، فيضيع جزء كبير مما بنته هذه المنتجات في دقائق. فالأشعة فوق البنفسجية تحفز صبغة الميلانين وتفكك الكولاجين يومًا بعد يوم، وتُضعف أثر أي علاج للبقع أو الخطوط الدقيقة لم تُحمَ نتائجه.
ويبقى واقي الشمس مع ذلك أكثر خطوات الروتين إهمالًا، إما لاعتقاد أنه للشاطئ والسفر فقط، أو لأن ملمسه لا يروق لمستخدمه، أو لأن البشرة السمراء تبدو في غنى عنه. وحتى من يستخدمه بانتظام كثيرًا ما يضع ما بين ربع الكمية المطلوبة ونصفها، ولا يعيد وضعه خلال اليوم، فيحصل على جزء يسير من الحماية المكتوبة على العبوة. ويختار كثيرون الواقي بحسب رقمه وحده، فيطمئنون إلى رقم مرتفع ويتساهلون في كل ما عداه.
والفكرة التي يقوم عليها هذا المقال أن الواقي هو الخطوة التي تحمي نتيجة الخطوات الأخرى، وأن أغلب علامات التقدم الظاهرة وكثيرًا من التصبغات تعود إلى الشمس لا إلى العمر وحده. وفي بلد تسطع فيه الشمس معظم أيام السنة، يصبح الواقي عادة يومية لا موسمية، وتكمن نقطة ضعفه في طريقة الاستخدام أكثر مما تكمن في المنتج نفسه.
نشرح كيف تؤثر الشمس في الجلد، ولماذا تحتاج شمس المملكة إلى حماية على مدار العام، وكيف يُختار الواقي المناسب، والأخطاء التي تُفقده فعاليته، ثم طريقة الاستخدام خطوة بخطوة، والتغيرات الجلدية التي تستدعي زيارة الطبيب.
لماذا يسبق واقي الشمس بقية خطوات الروتين أهمية؟
تصل إلى الجلد من الشمس نوعان رئيسيان من الأشعة فوق البنفسجية. فالأشعة من النوع (ب) مسؤولة عن الحروق والاحمرار، أما النوع (أ) فيخترق طبقات أعمق، ويفكك الكولاجين والألياف المرنة التي تمنح البشرة تماسكها، ويحفز الخلايا الصبغية على إنتاج الميلانين. ولأن هذا النوع لا يحرق، لا يُشعر به، فيعمل بصمت يوميًا، ويتراكم أثره سنوات قبل أن يصير خطوطًا وبقعًا وترهلًا.
ويُعرف هذا الأثر التراكمي بالشيخوخة الضوئية، وتشير الأبحاث إلى أنها مسؤولة عن جزء كبير من علامات التقدم الظاهرة في الوجه، وهو ما يفسر الفرق الواضح بين جلد الوجه وجلد المناطق المغطاة دائمًا عند الشخص نفسه. وقد تابعت دراسة طويلة مشاركين لسنوات، فظهرت علامات تقدم أقل على من استخدموا الواقي يوميًا مقارنة بمن استخدموه متقطعًا، وهو ما يؤكد أن الانتظام أهم من المناسبة. ويمتد الخطر إلى ما هو أبعد من المظهر، إذ يرتبط التعرض المتكرر للأشعة بزيادة خطر سرطانات الجلد.
والمحك الحقيقي لأهمية الواقي أنه يحمي نتيجة كل ما سواه. فعلاجات التصبغ تفقد أثرها إذا استمر تحفيز الميلانين، والريتينويدات والأحماض المقشرة تجعل البشرة أكثر حساسية للشمس، فيصبح استخدامها دون واقي أقرب إلى الخسارة منه إلى الفائدة. ولهذا يبقى الروتين الذي يخلو من واقي الشمس ناقصًا مهما كثرت خطواته وارتفع ثمن منتجاته.
شمس المملكة: حماية لا ترتبط بفصل الصيف
يبقى مؤشر الأشعة فوق البنفسجية في معظم مناطق المملكة مرتفعًا أغلب شهور السنة، ولا ينخفض في الشتاء بالقدر الذي ينخفض به في البلدان البعيدة عن خط الاستواء. كما تسمح الغيوم الخفيفة بمرور معظم هذه الأشعة، فقد يحترق الجلد في يوم غائم دون أن يشعر صاحبه بحرارة الشمس. وتعكس الرمال والمياه والأسطح الفاتحة جزءًا من الأشعة، فيزداد التعرض على الشاطئ وفي رحلات البر. وتبلغ الأشعة ذروتها في ساعات منتصف النهار تقريبًا، وهي الساعات نفسها التي تكثر فيها المشاوير اليومية وتوصيل الأطفال من المدارس، فيتراكم التعرض على دفعات قصيرة لا يُلتفت إليها.
ويخطئ من يظن أن البقاء في السيارة أو المكتب يعفيه من الحماية، فالأشعة من النوع (أ) تنفذ عبر الزجاج الجانبي للسيارة وزجاج النوافذ العادي. ولهذا يظهر أحيانًا تصبغ أو تقدم أوضح في جانب الوجه المواجه لنافذة السائق عند من يقضون ساعات طويلة في القيادة. أما الحجاب والنقاب فيحميان ما يغطيانه، لكن الجبهة والوجنتين وما حول العينين تبقى مكشوفة عند كثيرات. وحتى داخل المكتب، تسمح النوافذ الكبيرة بمرور جزء من هذه الأشعة طوال ساعات الدوام.
ويكتسب الواقي أهمية مضاعفة لمن تعاني الكلف، وهو شائع بين النساء في المنطقة، لأن الكلف لا يتأثر بالأشعة فوق البنفسجية وحدها، بل بالضوء المرئي والحرارة أيضًا. وتشير الدراسات إلى أن الواقيات الملونة المحتوية على أكاسيد الحديد توفر حماية إضافية من الضوء المرئي، ولهذا تناسب من تعاني التصبغات، إلى جانب متابعة العلاج عند طبيب الجلدية.
كيف تختار واقي الشمس المناسب لبشرتك؟
الشرط الأول أن يكون الواقي واسع الطيف، أي يحمي من النوعين (أ) و(ب) معًا، لأن رقم الحماية وحده يقيس الحماية من النوع (ب) المسبب للحروق. ويُنصح عادة برقم حماية 30 فأعلى للاستخدام اليومي، مع العلم أن الفرق بين 30 و50 في نسبة الأشعة المحجوبة أصغر مما يوحي به الرقم، وأن الكمية والإعادة أهم من الرقم نفسه.
وتنقسم الواقيات بحسب مرشحاتها إلى نوعين. فالمعدنية تعتمد على أكسيد الزنك وثاني أكسيد التيتانيوم، وتشكل طبقة حماية على سطح الجلد، وتناسب البشرة الحساسة غالبًا، لكنها قد تترك أثرًا أبيض على البشرة السمراء. أما الكيميائية فتمتص الأشعة، وتكون عادة أخف ملمسًا وأسهل انتشارًا. وكلا النوعين فعال إذا استُخدم بالكمية الصحيحة، والاختيار بينهما مسألة ملاءمة لا أفضلية مطلقة. وتجمع بعض الواقيات بين المرشحين معًا، فتأخذ من مزايا النوعين.
وتحدد نوعية البشرة القوام الأنسب، فالبشرة الدهنية والمعرضة لحب الشباب ترتاح للقوام الجل أو السائل الخفيف المصمم لعدم سد المسام، والجافة تحتاج قوامًا كريميًا مرطبًا، والحساسة تستفيد من التركيبات الخالية من العطور. والواقي الذي يرتاح له مستخدمه هو الذي سيُستخدم كل يوم، وهذا وحده يجعله الاختيار الأفضل، بشرط أن يكون مسجلًا لدى الجهات الرقابية ومحفوظًا بعيدًا عن الحرارة. ولمن يتعرق كثيرًا أو يمارس الرياضة في الخارج، تفيد الواقيات المقاومة للماء، مع العلم أن مقاومتها محدودة بمدة مكتوبة على العبوة يُعاد الوضع بعدها.
أخطاء شائعة تُفقد واقي الشمس فعاليته
أكبر هذه الأخطاء قلة الكمية، فرقم الحماية المكتوب على العبوة يُقاس في المختبر بطبقة سميكة نسبيًا، بينما يضع أغلب الناس طبقة رقيقة تخفض الحماية الفعلية إلى جزء منها. ويشيع كذلك خلط الواقي بالمرطب أو كريم الأساس لتخفيف ملمسه، وهذا الخلط يخفف تركيز المرشحات ويضعف انتظام الطبقة الواقية على الجلد.
ويليه الاكتفاء بوضعه مرة واحدة صباحًا، مع أن فعاليته تتراجع مع مرور الساعات والعرق وملامسة الوجه باليدين، فمن يقضي وقتًا طويلًا في الخارج يحتاج إلى إعادة وضعه. ولا يمنح رقم الحماية المرتفع مدة أطول بالضرورة، فالواقي ذو الرقم 50 يتأثر بالعرق والمسح كما يتأثر ذو الرقم 30.
وتبقى المناطق المنسية خطأً متكررًا، كالرقبة والأذنين وظهر اليدين، وهي مناطق تظهر عليها علامات التقدم مبكرًا لأنها لا تُحمى عادة. ويُضاف إلى ذلك استخدام عبوة مفتوحة منذ الصيف الماضي، أو تركها في السيارة تحت الحرارة، فالمرشحات تتحلل بمرور الوقت والحرارة، ويفقد المنتج جزءًا من حمايته دون أن يتغير شكله. ويبقى أخطر الأخطاء أن يُعامل الواقي كتصريح بالبقاء ساعات تحت الشمس المباشرة، فلا يوجد واقٍ يحجب الأشعة كلها، والحماية الأذكى تقليل التعرض أولًا ثم الواقي.
طريقة استخدام واقي الشمس خطوة بخطوة
لا يحتاج الاستخدام الصحيح إلى وقت طويل، لكنه يحتاج إلى ترتيب ثابت يتحول مع الأيام إلى عادة:
وضع الواقي خطوةً أخيرة في روتين الصباح، بعد المرطب وقبل المكياج، على بشرة جافة.
استخدام كمية تعادل طول إصبعين تقريبًا للوجه والرقبة، وتوزيعها على طبقتين إن كان القوام ثقيلًا.
تغطية الأذنين وخط الشعر وجوانب الأنف وظهر اليدين، مع تجنب إدخاله في العينين.
تركه بضع دقائق قبل وضع المكياج أو الخروج، ليستقر على الجلد.
إعادة وضعه كل ساعتين تقريبًا عند البقاء في الخارج، وبعد التعرق الشديد أو السباحة أو تجفيف الوجه بالمنشفة.
وتبقى إعادة الوضع فوق المكياج أصعب هذه الخطوات عمليًا، ويمكن تسهيلها بالواقيات على هيئة بخاخ أو بودرة مخصصة للإعادة خلال اليوم، على أن يظل الكريم هو الأساس صباحًا. ويحسن كذلك الجمع بين الواقي ووسائل أخرى، كالظل والقبعة والنظارة الشمسية وتجنب ساعات الذروة قدر الإمكان، فالواقي جزء من الحماية لا كلها. ويسهل الالتزام بالإعادة حين تُحمل عبوة صغيرة في الحقيبة.
متى تستدعي تغيرات الجلد زيارة الطبيب؟
الشامة الجديدة التي تظهر بعد مرحلة الشباب، أو الشامة القديمة التي يتغير شكلها أو لونها أو حجمها، أو تصبح غير منتظمة الحواف، أو تنزف أو تحك، تحتاج إلى فحص عند طبيب الجلدية دون تأجيل. وكذلك الجرح الذي لا يلتئم في المناطق المعرضة للشمس، والبقع الخشنة المتقشرة التي تعود بعد زوالها، فهذه تغيرات تحتاج إلى تقييم متخصص يحدد طبيعتها.
أما الحروق الشمسية المصحوبة بفقاعات واسعة أو حمى أو دوخة فتحتاج إلى رعاية طبية عاجلة. ويستحق الكلف والتصبغات المنتشرة متابعة مع الطبيب بدل تجربة كريمات التفتيح المتداولة، لأن بعضها يحتوي على مكونات قد تزيد التصبغ أو ترقق الجلد مع الاستخدام الطويل.
ويستفيد من فحص دوري للجلد عند الطبيب من يتعرض للشمس بحكم عمله ساعات طويلة، ومن لديه تاريخ عائلي لسرطان الجلد، أو بشرة فاتحة كثيرة الشامات، أو تاريخ حروق شمسية شديدة في الطفولة، لأن هذه العوامل ترفع الخطر وتجعل الاكتشاف المبكر أثمن.
أسئلة متداولة حول واقي الشمس والبشرة
هل أحتاج إلى واقي الشمس داخل البيت؟
يعتمد ذلك على القرب من النوافذ وطول البقاء بجانبها، لأن زجاج النوافذ العادي لا يحجب النوع (أ). ومن تقضي يومها بعيدًا عن النوافذ تحتاج حماية أقل، لكن جعل الواقي خطوة صباحية ثابتة أسهل من تقدير الحاجة كل يوم. ولمن تعاني الكلف أهمية خاصة للحماية داخل البيت، لأن الضوء المرئي والحرارة يؤثران في التصبغ.
هل تحتاج البشرة السمراء إلى واقي الشمس؟
نعم، فالميلانين الإضافي في البشرة السمراء يوفر حماية طبيعية جزئية من الحروق، لكنه لا يمنع أضرار الأشعة من النوع (أ) ولا الشيخوخة الضوئية. بل إن البشرة السمراء أكثر عرضة للتصبغات والكلف والآثار الداكنة بعد الحبوب، وهي مشكلات تتفاقم مع الشمس، ولا يعني غياب الاحمرار بعد التعرض أن الجلد لم يتضرر. والواقيات الملونة أو الكيميائية الخفيفة تناسبها أكثر لأنها لا تترك أثرًا أبيض.
ما الفرق بين الواقي المعدني والواقي الكيميائي؟
يستخدم الواقي المعدني مرشحات معدنية تبقى على سطح الجلد، ويناسب البشرة الحساسة غالبًا، لكنه قد يترك أثرًا أبيض. أما الكيميائي فيحتوي على مرشحات تمتص الأشعة، ويكون عادة أخف قوامًا وأسهل توزيعًا. وكلاهما يحمي بفعالية إذا كان واسع الطيف واستُخدم بالكمية الصحيحة وأعيد وضعه.
هل يسبب واقي الشمس حب الشباب؟
قد تسد بعض التركيبات الثقيلة أو الزيتية المسام عند البشرة المعرضة لحب الشباب، لكن هذا لا يبرر الاستغناء عن الواقي، خصوصًا أن كثيرًا من علاجات الحبوب تزيد حساسية الجلد للشمس. والحل في اختيار قوام خفيف لا يسبب انسداد المسام، مع إزالة الواقي جيدًا في المساء بخطوتي تنظيف.
هل يقلل واقي الشمس من فيتامين د في الجسم؟
تشير الدراسات إلى أن الاستخدام المعتاد لواقي الشمس لا يسبب في الغالب نقصًا ملحوظًا في فيتامين د، لأن التطبيق العملي لا يحجب الأشعة بالكامل. والنقص الشائع في المملكة يرتبط أكثر بقلة التعرض للشمس عمومًا والبقاء في الأماكن المغلقة. ومعرفة المستوى الفعلي تكون بتحليل يطلبه الطبيب، وقد تناولنا هذا النقص في مقال «كيف تقوي مناعتك بطرق فعلية؟». ولا ينبغي أن يدفع القلق من نقص الفيتامين إلى ترك البشرة دون حماية، فالنقص يُعالج بإشراف طبي بطرق أكثر أمانًا من التعرض للشمس.
هل واقي الشمس آمن للأطفال؟
يمكن استخدام واقي الشمس للأطفال بعد عمر ستة أشهر، ويُفضل لهم الواقي المعدني الخالي من العطور لأنه ألطف على جلدهم. أما الرضع دون ستة أشهر فالأفضل حمايتهم بالظل والملابس الخفيفة الساترة وتجنب الشمس المباشرة، واستشارة طبيب الأطفال قبل وضع أي واقي عليهم. وفي كل الأعمار يبقى تجنب شمس الظهيرة جزءًا أساسيًا من الحماية، ويُختار للأطفال واقٍ مقاوم للماء عند اللعب في المسابح أو على الشاطئ، مع إعادة وضعه بعد الخروج من الماء.
0 تعليقات